الشيخ أحمد فريد المزيدي

206

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

قال عبد اللّه بن خفيف رضي اللّه عنه : دخلت بغداد قاصدا إلى الحج وفي رأسي نخوة الصوفية ولم آكل أربعين يوما ، ولم أدخل على الجنيد ، وخرجت ولم أشرب الماء ، وكنت على طهارتي ، فرأيت ظبيا في البرية على رأس بئر وهو يشرب ، وكنت عطشان ، فلما دنوت من البئر ولّى الظبي ، وإذا الماء في أسفل ، فمشيت ، وقلت : يا سيدي ، ما لي عند محل هذا الظبي ؟ فسمعت قائلا يقول من خلفي : جربناك فلم تصبر ، ارجع فخذ الماء ، فرجعت ، فإذا البئر ملآنة ، فملأت ركوتي ، وكنت أشرب منها وأتطهر إلى المدينة ، ولم ينفد الماء ، ولما استقيت سمعت هاتفا يقول : إن الظبي جاء بلا ركوة ولا حبل ، وأنت جئت مع الركوة والحبل ؟ فلما رجعت من الحج دخلت الجامع ، فلما وقع بصر الجنيد عليّ قال : لو صبرت لنبع الماء من تحت قدميك ، لو صبرت صبر ساعة « 1 » . عن فارس الحمّال قال : لحق أبا الحسين النوري علة والجنيد علة ، فالجنيد أخبر عن وجده ، والنّوري كتم ، فقيل له : لم لم تخبر كما أخبر صاحبك ؟ فقال : ما كنا لنبتلى ببلوى فنوقع عليها اسم الشكوى ، ثم أنشا يقول : إن كنت للسقم أهلا * فأنت للشكر أهلا عذب ، فلم يبق قلب * يقول للسقم : مهلا فأعيد ذلك على الجنيد ، فقال : ما كنّا شاكين ، ولكن أردنا أن نكشف عن عين القدرة فينا ، ثم بدأ يقول : أجلّ ما منك يبدو * لأنّه عنك جلا وأنت يا أنس قلبي * أجلّ من أن تجلا أفنيتني عن جميعي * فكيف أرعى المحلّا وقال الجنيد : اشتد البلاء برجل من الصالحين حتى جرّ برجله إلى مزبلة ، فرفع طرفه إلى السماء وقال : أنا بعينك وقد ترى ، فافعل ما شئت ، وحسبي ما تشاء ، ثم قال « 2 » : إذا المهام شكا شجوة * فقد زال عن سنن المستهام

--> ( 1 ) انظر : الرسالة ( 2 / 708 ) ، وروض الرياحين ( ص 83 ) . ( 2 ) انظر : روضة الحبور ( ص 125 ) .